كاتم الأحزان
26-01-2007, 01:34 AM
http://aawsat.com/2006/05/22/images/ksa-local.364288.jpg
في نجران، تداعب رمال الشرق، الربع خاليّة، ببهائها وسنائها وبريقها وتلألئها جبال السروات الغربية، مغازلةً سحائب قممها ونسيم جوانبها. علاقة عشقٍ متبادلة ربطت بين عاليها البارد الممطر الغربي، بأسفلها الظامئ الدافئ الشرقي من خلال واديها العظيم، وادي نجران. يتعانق شقاها المتناقضان في قلبها، جامع السحرين النابض بهويتها وتميزها وتفردها. هي نجران مدينة التاريخ والآثار والطبيعة والجمال. هي مدينة السائح الباحث عن أصالة الوقت وبديع الراحة ورفاهية الاختيار.
زرت المملكة مؤخراً لمدة خمسة أيام، يومان في الشرقية، تحديداً الخبر، وثلاثة أيام في نجران. أمضيت وقتي في نجران متنقلاً بين أطرافها، شمالها وجنوبها، شرقها وغربها. لم أكن أبحث عن معالمها أو أثارها أو عن سر جمالها فأنا أعرفها جيداً، بل كنت هناك لأرى ماذا حدث لمتنزهاتها ومتاحفها ومصايفها وحدائقها وقصورها وقلاعها. نجران لم تعد نجران التي أعرفها، وجدت واديها مصحوباً بطريقٍ جديد هو طريق الملك عبدالله، محاذياً للوادي العظيم على ضفته الشمالية كاشفاً جمالاً وسحراً طبيعياً لم يكن بإمكان الزائر أو السائح في السابق رؤيتها والاستمتاع بمناظرها من نخيل وقصور تاريخية ومزارع. وجدت الأخدود مصحوباً بمتحفٍ ضم أهم آثاره، سارداً قصة أصحابه، مذكراً زواره بإيمان سكانه. بقرب منطقة الأخدود، وجدت متنزه الملك فهد الشاسع بغاباته وحدائقه وممراته الرياضية (للمشي والجري وغيرها) ومراكزه الترفيهية للعزاب والعائلات والأطفال متكامل الخدمات. وجدت قلعة رعوم في قمة جبل رعوم تتحدى من يصلها مشياً على الأقدام، وجدتها تحاكي قصر العان الشمالي عن تاريخٍ عاصراه ووقفا شاهدين عليه. وجدت آبار حمى كاتمتاً أسرارها إلا لمن أذنت له بدخولها. وجدت متنزه أبي الرشاش بشلاله المشهور في أحسن حال مما كان عليه. وجدت جبل تصلال حيث كانت كعبة نجران مليئاً بالآثار. وغيرها الكثير.
وجدت سمو الأمير مشعل بن سعود قد انتشل نجران من الإهمال إلي الاهتمام في سنوات قليلة. رجلٌ ركز جل جهده ووقته في تطوير المشاريع الخادمة للسياحة والسياح في المنطقة. أدرك سموه أن المقومات السياحية التي تمتلكها المنطقة سوف تساعد في إنماء اقتصاد المنطقة إذا ما أوصلت إليها الخدمات بمستوى ونوعية مميزة وهذا بدوره ساهم في خلق فرص استثمارية وفرص وظيفية ومداخل مالية لأهل المنطقة. تمكن سموه في السنوات القليلة الماضية من توصيل كل الخدمات المطلوبة للكثير من مقومات السياحة في نجران، وبادله أهل نجران نفس الاهتمام أنشؤوا الفنادق والشقق الفندقية المفروشة معرفةً وتصديقاً منهم بأن أميرهم قد أخذ الاتجاه الأسلم والصحيح لبناء مستقبل واعد لأبناء المنطقة. ما رأيته كان شاهداً على نجاح سموه في خلق منطقة سياحية متكاملة، يؤمل أن تكون المقصد الأول للسائح السعودي أو غير السعودي.
نجران مدينة سياحية من الطراز الأول، تمتلك عوامل جذب سياحية ومختلفة تمكنها من تقديم عروض سياحية فريدة لا يقدر السائح أن يجدها إلا في نجران. تنوّع هذه العوامل يعطي السائح اختيارات متعددة تساهم في استمتاعه بوقته لأيام متعددة أو لأسابيع أو حتى لأشهر. هذا التنوع يميز نجران كمدينة سياحية يمكنها من جذب السياح من مختلف أنحاء المعمورة. السياحة في نجران مدعومة بخدمات متكاملة إلى حدٍ كبير، تتفوق بها على الكثير من المدن في المملكة. نجران السياحية ليست كباقي المدن، فعادةً ما تعاني السياحة الداخلية من نقص في الخدمات أو من المبالغة الخيالية في قيمة تلك الخدمات. في نجران، تتوفر الخدمات بشكل متكامل وبأسعار مغرية. ولكن أين هم السياح؟ هل عرفوا عن السياحة في نجران؟ هل عرفوا أنها تمتلك من المتنزهات والحدائق والآثار التاريخية من قلاع وقصور ونحوت، ولها من المناظر الطبيعية والواحات الكثير؟
لا يمكن للسياحة، في أي مكان، كمشروع حيوي أن تنجح إلا إذا توفرت:
(1) المقومات الأساسية للسياحة، ونجران تمتلكها.
(2) مقومات السياحة لا تكفي وحدها لإنجاح مشروع الجذب السياحي، فبدون توفير الخدمات السياحية اللازمة سوف يفشل المشروع السياحي، ونجران وفرت الكثير من الخدمات اللازمة.
(3) وجود خطط تسويقية وبرامج ترويجية للسياحة والأنشطة السياحية والثقافية للتعريف بها لدى العامة من الناس، وهذا ما ينقص نجران، فبدون الترويج للسياحة فيها وبدون تعريف المواطنين في المملكة وخارجها بها فإن المشاريع التي أنجزت والاستثمارات التي يخطط لها سوف تذهب هباء. السؤال هنا، أين دور الهيئة العليا للسياحة في الترويج للسياحة في منطقة عمل أميرها وأهلها على تمييزها سياحياً؟ لماذا لا يكون للهيئة العليا للسياحة دعم أكبر ومباشر لتسويق السياحة؟ لماذا لا تخصص ميزانيات محددة لتسويق السياحة في كل منطقة؟ ليس من العدل أن تفشل جهود منطقة بكاملها بسبب بسيط، وفي نفس الوقت مهم جداً، ألا وهو التسويق للسياحة.
يجب أن لا تقف إمارة أي منطقة وحدها عندما تسعى جاهدةً لتطوير وتسويق معالم منطقتها السياحية. وسائل الإعلام تتحمل بعض المسؤولية في تغطية الجهود المبذولة وفي نشر الوعي السياحي الداخلي. كذلك تتحمل الشركات والبنوك مسؤولية مباشرة في المساهمة في المشاريع السياحية أو التجميلية أو الخدمية في أي منطقة. في مدينة الخبر، مساهمة الشركات يمكن مشاهدتها في تجميل كرنيشها أو بناء جسور للمارة على طرقاتها مثل ما هو الحال مع تبرع شركة الربيعة والنصار. في نجران مساهمة الشركات أو البنوك شبة معدومة، مع أنه يوجد بها شركات وبنوك منذ عقود عديدة من الزمن مثل شركة بن لادن المختصة في إنتاج الجرنيت من جبال نجران الذي يعد من أفضل الجرنيت في العالم أو مثل البنك الأهلي وغيره من البنوك التي لا تدعم المنطقة ومشاريعها السياحية بشيء ملموس ومفيد. هذه الشركات والبنوك مطالبة بالمساهمة المباشرة والمستمرة في مشاريع المنطقة، سياحية أو غير سياحية، فهي التي جنت أرباحاً باهظة طيلة هذه السنوات من خلال تواجدها في المنطقة وعليها إعادة جزء يسير وبسيط في شكل تبرع للمنطقة وسكانها.
المقال لـ
إبراهيم شرفي أبوساق
« صحيفة الوطن »
في نجران، تداعب رمال الشرق، الربع خاليّة، ببهائها وسنائها وبريقها وتلألئها جبال السروات الغربية، مغازلةً سحائب قممها ونسيم جوانبها. علاقة عشقٍ متبادلة ربطت بين عاليها البارد الممطر الغربي، بأسفلها الظامئ الدافئ الشرقي من خلال واديها العظيم، وادي نجران. يتعانق شقاها المتناقضان في قلبها، جامع السحرين النابض بهويتها وتميزها وتفردها. هي نجران مدينة التاريخ والآثار والطبيعة والجمال. هي مدينة السائح الباحث عن أصالة الوقت وبديع الراحة ورفاهية الاختيار.
زرت المملكة مؤخراً لمدة خمسة أيام، يومان في الشرقية، تحديداً الخبر، وثلاثة أيام في نجران. أمضيت وقتي في نجران متنقلاً بين أطرافها، شمالها وجنوبها، شرقها وغربها. لم أكن أبحث عن معالمها أو أثارها أو عن سر جمالها فأنا أعرفها جيداً، بل كنت هناك لأرى ماذا حدث لمتنزهاتها ومتاحفها ومصايفها وحدائقها وقصورها وقلاعها. نجران لم تعد نجران التي أعرفها، وجدت واديها مصحوباً بطريقٍ جديد هو طريق الملك عبدالله، محاذياً للوادي العظيم على ضفته الشمالية كاشفاً جمالاً وسحراً طبيعياً لم يكن بإمكان الزائر أو السائح في السابق رؤيتها والاستمتاع بمناظرها من نخيل وقصور تاريخية ومزارع. وجدت الأخدود مصحوباً بمتحفٍ ضم أهم آثاره، سارداً قصة أصحابه، مذكراً زواره بإيمان سكانه. بقرب منطقة الأخدود، وجدت متنزه الملك فهد الشاسع بغاباته وحدائقه وممراته الرياضية (للمشي والجري وغيرها) ومراكزه الترفيهية للعزاب والعائلات والأطفال متكامل الخدمات. وجدت قلعة رعوم في قمة جبل رعوم تتحدى من يصلها مشياً على الأقدام، وجدتها تحاكي قصر العان الشمالي عن تاريخٍ عاصراه ووقفا شاهدين عليه. وجدت آبار حمى كاتمتاً أسرارها إلا لمن أذنت له بدخولها. وجدت متنزه أبي الرشاش بشلاله المشهور في أحسن حال مما كان عليه. وجدت جبل تصلال حيث كانت كعبة نجران مليئاً بالآثار. وغيرها الكثير.
وجدت سمو الأمير مشعل بن سعود قد انتشل نجران من الإهمال إلي الاهتمام في سنوات قليلة. رجلٌ ركز جل جهده ووقته في تطوير المشاريع الخادمة للسياحة والسياح في المنطقة. أدرك سموه أن المقومات السياحية التي تمتلكها المنطقة سوف تساعد في إنماء اقتصاد المنطقة إذا ما أوصلت إليها الخدمات بمستوى ونوعية مميزة وهذا بدوره ساهم في خلق فرص استثمارية وفرص وظيفية ومداخل مالية لأهل المنطقة. تمكن سموه في السنوات القليلة الماضية من توصيل كل الخدمات المطلوبة للكثير من مقومات السياحة في نجران، وبادله أهل نجران نفس الاهتمام أنشؤوا الفنادق والشقق الفندقية المفروشة معرفةً وتصديقاً منهم بأن أميرهم قد أخذ الاتجاه الأسلم والصحيح لبناء مستقبل واعد لأبناء المنطقة. ما رأيته كان شاهداً على نجاح سموه في خلق منطقة سياحية متكاملة، يؤمل أن تكون المقصد الأول للسائح السعودي أو غير السعودي.
نجران مدينة سياحية من الطراز الأول، تمتلك عوامل جذب سياحية ومختلفة تمكنها من تقديم عروض سياحية فريدة لا يقدر السائح أن يجدها إلا في نجران. تنوّع هذه العوامل يعطي السائح اختيارات متعددة تساهم في استمتاعه بوقته لأيام متعددة أو لأسابيع أو حتى لأشهر. هذا التنوع يميز نجران كمدينة سياحية يمكنها من جذب السياح من مختلف أنحاء المعمورة. السياحة في نجران مدعومة بخدمات متكاملة إلى حدٍ كبير، تتفوق بها على الكثير من المدن في المملكة. نجران السياحية ليست كباقي المدن، فعادةً ما تعاني السياحة الداخلية من نقص في الخدمات أو من المبالغة الخيالية في قيمة تلك الخدمات. في نجران، تتوفر الخدمات بشكل متكامل وبأسعار مغرية. ولكن أين هم السياح؟ هل عرفوا عن السياحة في نجران؟ هل عرفوا أنها تمتلك من المتنزهات والحدائق والآثار التاريخية من قلاع وقصور ونحوت، ولها من المناظر الطبيعية والواحات الكثير؟
لا يمكن للسياحة، في أي مكان، كمشروع حيوي أن تنجح إلا إذا توفرت:
(1) المقومات الأساسية للسياحة، ونجران تمتلكها.
(2) مقومات السياحة لا تكفي وحدها لإنجاح مشروع الجذب السياحي، فبدون توفير الخدمات السياحية اللازمة سوف يفشل المشروع السياحي، ونجران وفرت الكثير من الخدمات اللازمة.
(3) وجود خطط تسويقية وبرامج ترويجية للسياحة والأنشطة السياحية والثقافية للتعريف بها لدى العامة من الناس، وهذا ما ينقص نجران، فبدون الترويج للسياحة فيها وبدون تعريف المواطنين في المملكة وخارجها بها فإن المشاريع التي أنجزت والاستثمارات التي يخطط لها سوف تذهب هباء. السؤال هنا، أين دور الهيئة العليا للسياحة في الترويج للسياحة في منطقة عمل أميرها وأهلها على تمييزها سياحياً؟ لماذا لا يكون للهيئة العليا للسياحة دعم أكبر ومباشر لتسويق السياحة؟ لماذا لا تخصص ميزانيات محددة لتسويق السياحة في كل منطقة؟ ليس من العدل أن تفشل جهود منطقة بكاملها بسبب بسيط، وفي نفس الوقت مهم جداً، ألا وهو التسويق للسياحة.
يجب أن لا تقف إمارة أي منطقة وحدها عندما تسعى جاهدةً لتطوير وتسويق معالم منطقتها السياحية. وسائل الإعلام تتحمل بعض المسؤولية في تغطية الجهود المبذولة وفي نشر الوعي السياحي الداخلي. كذلك تتحمل الشركات والبنوك مسؤولية مباشرة في المساهمة في المشاريع السياحية أو التجميلية أو الخدمية في أي منطقة. في مدينة الخبر، مساهمة الشركات يمكن مشاهدتها في تجميل كرنيشها أو بناء جسور للمارة على طرقاتها مثل ما هو الحال مع تبرع شركة الربيعة والنصار. في نجران مساهمة الشركات أو البنوك شبة معدومة، مع أنه يوجد بها شركات وبنوك منذ عقود عديدة من الزمن مثل شركة بن لادن المختصة في إنتاج الجرنيت من جبال نجران الذي يعد من أفضل الجرنيت في العالم أو مثل البنك الأهلي وغيره من البنوك التي لا تدعم المنطقة ومشاريعها السياحية بشيء ملموس ومفيد. هذه الشركات والبنوك مطالبة بالمساهمة المباشرة والمستمرة في مشاريع المنطقة، سياحية أو غير سياحية، فهي التي جنت أرباحاً باهظة طيلة هذه السنوات من خلال تواجدها في المنطقة وعليها إعادة جزء يسير وبسيط في شكل تبرع للمنطقة وسكانها.
المقال لـ
إبراهيم شرفي أبوساق
« صحيفة الوطن »