المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : .:. حـكـايـات سـاخـرة .:.


دنــيــا
24-05-2005, 01:12 PM
رقابة


وضع المحرر الجديد في صحيفة الحقيقة مقالته الأولى أمام رئيس التحرير.. رجع خطوتين إلى الوراء، ووقف برهبة وخشوع، يسرق نظرات خاطفة إلى ملامحه وتقلّصات وجهه التي تتبدل باستمرار.‏

قرأ رئيس التحرير سطورها، وأبدى إعجابه، بهز الرأس والهمهمة والابتسامة. ثم نظر إليه، وقال بإعجاب:‏

- عظيم.. عظيم..‏

هدأت نفس المحرر واسترخت أعصابه المشدودة، وكاد يطير فرحاً، لولا أن قال رئيس التحرير: ولكن...‏

سأله متلعثماً وقد تبدد فرحه: ماذا....؟!‏

- انظر هنا..‏


دنا المحرر بخطى متعثرة وقال متسائلاً: أين؟!‏

خط رئيس التحرير بالقلم الأحمر على أحد السطور، وقال:‏

- هنا... اقرأ.... الرقابة لا تسمح بهذا الكلام.‏

احتج المحرر: سيدي... أنا لا أشتم أحداً ولا أتجنّى على أحد... لم أذكر أسماء أو ألقاباً أو صفات.‏

- لابأس. أوافقكَ الرأي.. غير أن هذا الكلام يثير أكثر من سؤال.. فيه غمز ولمز من طرف خفي، وأنت في أول الطريق.‏

هل تفهمني؟!‏

ابتلع المحرر غصته وقال: طيب.. احذفه.‏

كان يعتقد أن هذه الملاحظة هي الأولى والأخيرة، لولا أن أضاف رئيس التحرير مستنكراً:‏

- وهذه الفقرة.. فيها تلميح وإشارة إلى بلد ما..‏

قال المحرر كمتهم يدافع عن نفسه: بلد أجنبي.. أين المشكلة..‏

- ياعزيزي... البلد الأجنبي.. إما صديق لا نريد عداوته أو عدو لا نود أن نستفزّه.. ألست معي؟!‏

وقبل أن يسمع جوابه حذف الفقرة بخطين أحمرين متصالبين، ثم تابع بشيء من اللوم والاستنكار:‏

- يا أخي... وهذه العبارة لا مبرّر لها.. قد تفتح علينا أبواباً نعجز عن إغلاقها... وهذه الأفعال.. اقرأ... يوجد خلل.. نغرق في دوامة... متى نقضي على الفساد.. لماذا تتناول الحاضر دائماً؟! الماضي أكثر سلامة... فلماذا لا تقول: كان، ليس، لعلّ. مابها هذه الأفعال؟!‏

رد المحرر مازحاً: إنها أفعال ناقصة.‏

- هذا صحيح، لكنها لا تضعك في دائرة السؤال.‏

- هل من ملاحظة أخرى؟!‏

- لا... أبداً.. الباقي بدون تعديل.‏

أعاد له المقالة، وقد طمست الخطوط الحمراء معظم فقراتها وسطورها وكلماتها، وقال:‏

- أعد كتابتها على هذا النحو حتى تكون مجازة للنشر.‏

عندما قرأ المحرر مابقي من النص، لم يجد سوى الأفعال الناقصة، وأدوات النصب والجر.‏




دنــيــا
24-05-2005, 01:15 PM
غداً

سألت الطفلة أباها، وهي تنظر إلى ثوبها الذي تهلهل نسيجه، وبهتت ألوانه:‏

- متى تشتري لي ثوباً جديداً؟!‏

قال الأب بحنان: غداً.‏

- واللعبة التي وعدتني بها؟!‏

- غداً...‏

قالت: متى يكون لنا بيت واسع، وحديقة تزّينها أزهار ملونة؟!‏

لم يجد جواباً، فقال متردداً والغصّة في حلقه:‏

- غداً...‏

قالت معاتبة بدلال:‏

- غداً... غداً!! منذ زمن طويل وأنت تقول غداً، فمتى يأتي الغد؟!‏

صمت طويلاً... ابتلع غصته، وسرح مع أفكاره التي تشتتت وشردت كخيول جامحة. احتضن الطفلة، ضمّها إلى صدره، رفع رأسه إلى السماء، وقال بصوت يائس حزين:‏

- غداً.. عندما تشرق الشمس.‏

مساءً... تكوّرت الطفلة في زاوية الغرفة الوحيدة في البيت القديم، تحلم بالثوب واللعبة والبيت والحديقة رغم شدة البرد وقسوة الجوع.‏

وفي الصباح.. أشرقت الشمس، ورأت في عينيها دمعتين تنحدران على وجنتيها، فتوارت واحتجبت وراء الغيوم بخجل .‏

دنــيــا
24-05-2005, 01:20 PM
خلف.. يغني

ضاق الرجل ذرعاً بفشل ابنه المتكرر، فهو شبه أمي.. لم يتم المرحلة الابتدائية.. كان يقضي في الصف الواحد سنتين، ولولا الترفيع الآلي لما بلغ الصف الرابع أو الخامس. وعندما ترك الدراسة لم ينجح في زراعة أرض أو رعي أغنام، ولم يتقن أية صنعة أخرى، فقد كان عابثاً لاهياً، ضيّق الأفق، محدود الذكاء، لا يشعر بمسؤولية وليس لديه طموح. تراه في قريته أو في القرى المجاورة، يتوسط حلقات الدبكة والأعراس، ويصدح مجاناً ودونما دعوة بصوته الذي يعتقد أنه نعمة حباه الله بها دون أقرانه جميعاً.‏

قال له والده:‏

- اسمع ياخلف، والله لقد عجزتُ منكَ ومن أفعالكَ، أنت لا تنفع، لا للصيف ولا للضيف، ولا تميز الألف من عصا الراعي، وأنا أرى أن تحمل نفسك إلى العاصمة، وتذهب إلى (غناش) ابن عمّك، لعلّه بنفوذه وسلطته يجد لك عملاً.‏

قال خلف بجلافة: هو ليس ابن عمي.‏

- افهم ياولد.. غناش ابن قريتك وعشيرتك، فهو ابن عمك، ولا تنس أنك بحاجة إليه...‏

***‏

عندما مثل خلف -بتفخيم اللام- بين يدي قريبه وابن قريته ووضع أمامه ماحمله إليه من السمن والجبن.. ذهل مما رآه فيه من أبهة ونعيم، فتح فمه دهشة، ووقف مشدوهاً لا يدري ماذا يقول...‏

حاجبٌ على الباب، وسكرتيرة أنيقة جميلة، بثوب قصير وعطّر أخاذ.. أثاث وثير، أجهزة هاتف.. تلفزيون ملون، وأشياء أخرى لايعرف أسماءها.‏

سأله غناش:‏

- ماذا تريد أن تعمل هنا وأنت لا تحمل مؤهلاً ولا شهادة. إذا كنت لم تجد الفرصة في قريتك الصغيرة النائية فكيف تجدها هنا.‏

قال خلف دونما اكتراث: لا أدري.. أبي أرسلني إليك.‏

صمت غناش، نظر إليه وإلى الهدية.. حك رأسه، فكر طويلاً ثم قال مبتسماً:‏

- أتذّكر.. أنك كنت تغني..‏

- نعم.. ومازلت..‏

- صوتك جميل؟!‏

- جربني...‏

وهمّ أن يغني، فأشار إليه ألاّ يفعل.. فالمكان غير مناسب. ثم قال:‏

- إذاً.. لا مشكلة، وجدتها.‏

رفع غناش سماعة الهاتف، وبنبرة جادة صارمة قال:‏

- ألو.. الإذاعة والتلفزيون.. أعطني المدير.. أنا غناش، يصلكم بعد قليل، خلف، نعم.. اسمه خلف، يهمني أمره، أريده أن يغني..‏

-.....‏

- قلت أريده أن يغني.. أنا أزكّيه... لا لجنة موسيقية ولا اختبار صوت...‏

-......‏

- ياعزيزي، أجهزة الصوت الحديثة تفعل المعجزات.. مثله مثل من يثـقبون آذاننا بزعيقهم، إن لم يكن أفضل.‏

دارت الأيام، وتعاقبت الشهور، ولم يمضِ عام واحد حتى صار خلف -بتخفيف اللام- نجماً لامعاً، في الإذاعة والتلفزيون، له معجبون ومعجبات، صوره تنشر في المجلات وتباع في المكتبات...‏

يلبس الحرير ويوقّع على البطاقات، يقود سيارة، ويلعب بالدينار والدولار.‏

أما غناش، فقد عُزل من منصبه، وفقد امتيازاته، فعاد إلى القرية، يدٌ من الأمام وأخرى من الخلف. يعيش على ذكريات الماضي وأمجاده.. لا يرضى أن يزاول عملاً، بعد الجاه والمنصب، ولا أن يتلقى أمراً من أحد، بعد أن كان آمراً ناهياً.‏

ولما اشتد كربه، وانفض عنه الناس.. الأقرباء والأصدقاء، بعد أن صار مملاً ثـقيل الظل، حمل نفسه إلى العاصمة، واتجه صوب مبنى الإذاعة والتلفزيون... قابل المدير بعد جهد وانتظار وتوســُّلٍ وبطاقة توصية من قريبه خلف.. ذكّره بنفسه ورجاه أن يجد له عملاً، كما فعل مع قريبه الذي صار نجماً.‏

ضحك المدير: الذي لم ينهض من مقعده، ولم يرفع إليه رأسه وقال ساخراً:‏

- خلف يغني، أما أنت... فلا تغني...‏

دنــيــا
24-05-2005, 01:23 PM
الفيل الذي يطير


قال الراوي:‏

اجتمع الوالي يوماً بعلماء بلده، وتداولوا في أمور الرعية، وعالجوها بحكمة وروّية. وكما يقتضي العرف والعادة اختاروه رئيساً للاجتماع، يتولى إدارته ويقول فيه كلمته.. ولاسيما وهو يحمل من الألقاب ماتضيق عنه صفحات الكتاب.‏

تكلّم العلماء.. تناقشوا، اختلفوا واتفقوا، أما الوالي فقد كان يكتفي بهز الرأس وتأييد هذا والثناء على ذاك.‏

طال الجدل والحوار، والوالي ينقّل بصره بينهم.. لا تصدر عنه سوى كلمات قليلة، لا تتناسب مع علو قدره وسمو شأنه، وهو الذي اعتاد أن يكون الرأي رأيه والكلمة كلمته.. يقول فيسمعون، ويأمر فيطيعون.‏

ثم أشار إليهم بيده، فسكتوا وصاروا آذاناً مصغية، فنطق قائلاً:‏

- والآن.. حتى يطمئن قلبي، وتتعزز ثـقتي بعلماء أمّتي أريد جواباً عن هذا السؤال: ماهي الحيوانات التي تطير؟!‏

عدّد العلماء أسماء الطيور وأنواعها، وذكروا مزاياها وصفاتها وقدرتها على التحليق والطيران، وهجرتها بين البقاع والبلدان.‏

ويضيف الراوي:‏

إن ابن الوالي، الذي حضر مجلسهم، عصر فكره وتمخّض قائلاً:‏

والفيل؟!.. لم تذكروا الفيل...‏

عقدت الدهشة ألسنة العلماء، وتبادلوا نظرات التعجب والاستنكار وأداروا وجوههم التي ارتسمت عليها ابتساماتهم. ثم نطق أحدهم مستغرباً: ماهذا...؟! الفيل يطير؟! عجب وأي عجب!...‏

ويقول الراوي:‏

إن الوالي استاء من كلام العالم وردّة فعله، فزجره بنظرة متوعدة مهددة.‏

أحنى العالم رأسه وأغمض عينيه.. أدرك أنه قد وقع في مأزق وفكر لعله يجد مخرجاً.‏

وبعد صمت طويل قال: عفواً يامولاي... لكل عالم هفوة، أنا أخطأتُ.. نعم.. الفيل يطير..‏

فغر العلماء أفواههم دهشةً واستنكاراً، فوقع في حيرة من أمره.. فقال بصوت منكسر ذليل: ولكنه لا يحلّق عالياً في الفضاء.‏

دنــيــا
24-05-2005, 01:30 PM
طـز

قالت شهرزاد:‏

بلغني أيها الملك السعيد، أن رجلاً من عامة الناس، يقال له مسكين بن صدقة. نشأ يتيماً وعاش فقيراً بائساً، مغلوباً على أمره.. لا أهل له ولا أقارب، وليس له زوج أو ولد.‏

ولأنه بسيط وساذج، كان يتحاشى الناس الذين جعلوا منه تسليتهم وموضع تعليقاتهم وسخريتهم.‏

ولما لم يكفّوا عن مضايقته والنيل من كرامته، وقد بلغ من العمر عتيا، فابيضّ شعره واسودّت الدنيا في نظره، قرّر أن يرفع الأمر إلى القضاء، علّه يرد عنه البلاء.‏

وعندما مثل بين يدي القاضي، قال له مستجيراً:‏

-سيدي.. أنصفني..‏

سأله القاضي: ممن..؟ من خصمك يا مسكين؟‏

قال: كثيرون يا سيدي..‏

تلفت حوله وأضاف: كلهم.. وأولهم كاتبك هذا، فكلما رآني أو ذُكر اسمي أمامه، يقول.. طز. حتى شاع خبري بين الناس، وضاعت هيبتي، فلم أسلم من كبير أو صغير، ولم يعتقني شيخ جليل أو صعلوك حقير.‏

ابتسم القاضي ومال برأسه إلى كاتبه. تبادلا الحديث فيما بينهما همساً. ثم قلّب أوراق كتاب أمامه، وقال بنبرة حاول أن تكون جادّة جازمة:‏

-اسمع يا مسكين.. حيث إنه لا جرم بلا نص قانوني، وحيث إنني لم أجد في قانون العقوبات ما يدين قائل هذه الكلمة، أرد إليك دعواك، وأحمّلك المصاريف والرسوم.‏

قال مسكين مستغرباً: كيف؟! ولماذا؟!‏

أجاب القاضي: اسمع يا مسكين وافهم ما أقول لك.. طز كلمة أعجمية، معناها ملح. ولمّا كانت الضرائب مفروضة على القمح دون الملح. كان الفلاحون حين يعترضهم جابي الضرائب يقولون: طز يا بيك. فيتركهم وشأنهم.‏

قال مسكين مخذولاً: هكذا إذاً؟‏

-نعم.‏

-طز.. مجرّد كلمة.. ليست شتيمة، ولا يعاقب قائلها؟!‏

-أكيد.. وهذا هو القانون.‏

لوى مسكين عنقه وأطرق برأسه إلى الأرض. ثمّ نظر إلى الكاتب وقال:‏

-ما دام الأمر كذلك.. طز عليك أيها الكاتب.‏

ضحك القاضي حتى كاد ينقلب على قفاه.‏

سكتت شهرزاد، فسألها شهريار: هل انتهت الحكاية‏

قالت: لا يا مولاي، بل أخشى أن تسيء فهمي إذا قلت ما قاله مسكين.‏

-لا.. لا تخافي.‏

همست مترددة: قال مسكين... وطز عليك أنت أيضاً.. قفز شهريار كوحش هائج وصرخ بأعلى صوته: يا سيّاف..‏

قالت شهرزاد: اهدأ يا مولاي. ودعني أكمل..‏

-هيا.. قولي ما عندك، قبل أن يفصل السيّاف رأسك عن جسدك.‏

قالت شهرزاد: لماذا يا مولاي؟ أنت لم تسمع بقية العبارة.‏

ثم استطردت: قال مسكين.. وطز عليك أنت أيضاً، أيها القاضي. فسرت في القاعة همهمات وضحكات مكتومة، كبعيق الماعز.‏

جفل القاضي الذي لم يتوقع هذا الرد، فقطّب جبينه، ودقّ بمطرقته محاولاً استرجاع هيبته. ولم يستطع الحاضرون كتمان ضحكاتهم وسخريتهم. فأشار إليهم مسكين وهو يغادر القاعة قائلاً:‏

و.. طز عليكم جميعاً.. والسلام عليكم.‏

دنــيــا
24-05-2005, 01:39 PM
هدية



قال له: حظك يفلق الصخر.. قضيتك عند أبي سامح، صاحبي وحبيبي.‏

أجاب مرتبكاً:‏

-مع هذا.. لست مطمئناً، فقد صرنا في زمن لا يعرف فيه الأخ أخاه.. كل شيء صار بالمال.. حقك الذي هو حقك، لا تأخذه إلا بعد أن تدفع.‏

-هذا صحيح. إلا أن صاحبي يشذ عن هذه القاعدة.. ماذا أقول لك..؟ ماذا أصف وأشرح؟ يا عزيزي.. إنه فريد زمانه.. رجل والرجال قليل.. نشأ عصامياً، ناضل وقاتل، حمل عبء والدته وإخوته اليتامى.. والآن، بعد أن استقر في العاصمة، ورغم قسوة الظروف، وغلاء المعيشة، وحاجات البيت والأولاد، التي تقصم الظهر وتحني هامات الرجال، لا يقبل شيئاً من أحد، ولا يمد يده لإنسان.. يعيش على الراتب، ولا يقبل القرش الحرام.‏

-لكنني لا أعرفه. فكيف أصل إليه وأشرح له قضيتي؟‏

-هذه ليست مشكلة.. يا عزيزي، أنا أذهب معك.. نعم أنا أذهب معك، فهو، كما قلت لك، صاحبي وحبيبي، ولا يرد لي طلباً.‏

-أخشى..‏

قاطعه: لا تخشَ شيئاً، ما زال في الدنيا خير، والصديق للصديق. لقد خدمنا كثيرين غيرك.. لا يمر شهر إلا وآخذ إليه واحداً أو اثنين من أصحاب القضايا.‏

-حسناً.. اتفقنا.‏

قال متردداً: بقيت مشكلة صغيرة.‏

-ما هي؟‏

-يجب أن أتدبّر مصروف البيت والأولاد قبل سفرنا.‏

-لا عليك.. دع عنك هذا الأمر. كم يكفيك؟‏

حجز مقعدين في السيارة المغادرة إلى العاصمة.. وهناك قصدا فندقاً حديثاً، وتناولا الطعام في مطعمٍ راقٍ. ثم انطلقا إلى أبي سامح. وقبل أن يدخلا مكتبه قال:‏

-أتعرف..؟ يجدر بك أن تحمل هدية معك. أنت آتٍ من بلد بعيد، ومن غير اللائق أن تدخل عليه ويدك فارغة.‏

قال مضطرباً: لم تذكّرني.. وقد قلت لي إنه لا يقبل رشوة.‏

أجاب مستنكراً: طبعاً.. إن صاحبي وحبيبي رجل نزيه شريف، لا يقبلها أبداً..‏

ثم أضاف: ولكنه يقبل الهدية.‏

-نشتري له هدية.‏

-لا.. لا حاجة لذلك.‏

-ما العمل إذاً؟‏

-يا عزيزي.. إنه صاحبي وحبيبي.. والمسألة بسيطة.. ضع ثمن الهدية في مغلف.. وقدّمه كهدية.‏

دنــيــا
24-05-2005, 01:42 PM
دمية


على الرغم من اهتمام سكان البيت بالضيف الغريب، وانشغالهم به، ظلت في الغرفة الأخرى، تلعب بدميتها.‏

دخلت إليها والدتها، وقالت زاجرة:‏

-كفاك لعباً.. صرت كبيرة، هيا اغسلي وجهك وسرّحي شعرك، واحملي القهوة للضيوف.‏

قامت مكرهة.. جرتّها أمها من يدها وضعت بعض اللمسات على وجهها وشعرها، وقالت:‏

-هيا.. اتبعيني ولا تتأخري.‏

دخلت الفتاة غرفة الضيوف، تحمل القهوة بيدين مرتعشتين وتضغط بذراعها على الدمية التي ضمتها إلى خصرها. فسرت همسات وارتسمت ابتسامات على الوجوه، وحاصرتها العيون بنظرات ثاقبة فاحصة..‏

تناولت والدتها القهوة منها، وقالت: سلّمي على الضيف.‏

اضطربت الفتاة واحمرّت وجنتاها.. اقتربت منه بخطى متعثرة، وقالت بصوت مختلج:‏

-مساء الخير يا عم..‏

ضحك الرجل البدين، فبرزت من بين شفتيه الغليظتين أسنان صفراء مبعثرة، واهتز كرشه المنفوخ تحت دشداشته البيضاء.‏

مدّ إليها يداً غليظة مكسوة بشعر كثيف أسود، وشدّ على يدها الرقيقة بقوة، وقال ضاحكاً:‏

-تقول يا عم!.‏

ردت أمها: البنت صغيرة، لا تعرف...‏

قال الرجل البدين: أعرف.. أعرف، هذا واضح.‏

وأضاف محدثاً الفتاة: ما هذه؟ دمية؟ جميلة...‏

واستطرد وهو يحدق إلى الفتاة ويعاينها بنظرات فاحصة:‏

-جميلة جداً.. رائعة.‏

أمرتها أمها: اجلسي.‏

خيم عليهم الصمت.. عيناه مازالتا تتفحصان البضاعة المعروضة للبيع.. والداها يترقبان منه كلمة أو إشارة.‏

هزّ الرجل رأسه، وأعلن موافقته بنظرة من عينه. قالت لها أمها: اخرجي.‏

ابتسم أبوها، وقالت له أمها بفرح: مبروك.‏

اشترى لها هدايا كثيرة، وطوّق معصمي أمها بالذهب، وملأ جيوب أبيها بقطع نقدية كبيرة وصغيرة. وقال لها:‏

-ستكونين أميرة.. تسكنين في قصر، يحيط بك الخدم من كل جانب. وما عليك سوى أن تشيري بإصبعك.‏

سألته ببراءة: وهل أحتفظ بدميتي؟‏

قال بعد تردد: هذه. ما حاجتك بها؟‏

ثم استدرك قائلاً: طبعاً، وسأشتري لك غيرها.‏

قالت: أريدها هي، ولا أريد غيرها.‏

ودّعها أبوها عند سلّم الطائرة، ولوّحت لها أمها بيديها المطوقتين بالذهب. ولما وصلت إلى القصر الكبير، فتحت الحقيبة وأخرجت دميتها.‏

نظر إليها بعينين جائعتين شرهتين.. تكورت كقطة خائفة مذعورة.. انتفض قلبها كطائر مذبوح.. ضمّت الدمية إلى صدرها، تمسكت بها. دنا منها، رفعها إليه، ثم جرّها إلى غرفته... انتزع الدمية من يديها ورمى بها على الأرض، حرقت أنفاسه الحارة الكريهة بشرتها.. دارت بها الدنيا، أحست أنها تهوي في فراغ لا نهاية له. تلفُّ بها دوامات كبيرة، تصم أذنيها أصوات صاخبة.. تعجز عن المقاومة.. تسترخي. ومن وراء أبواب مواربة كانت ست عيون لدمى مهشمة تنظر بصمت وحذر.‏

دنــيــا
24-05-2005, 02:51 PM
ديمقراطية


بعد أن اعتلى منبر الخطابة، واحتكر لاقط الصوت ساعة من الزمن، تحدث فيها عن نفسه، وأسهب عن تضحياته، وعن ضميره الواعي... عن إخلاصه وأمانته ووفائه. وبعد أن عدّد مزاياه وخدماته وقدراته. اعتذر من الحاضرين بلطف، وقال:‏

- لقد تكلمت عن نفسي. وإذا كنتُ قد أطلت فهذا أمر له مايبرره...‏

ثم أضاف مبتسماً:‏

- ولأنني ديمقراطي، لن أنفرد بالحديث عن نفسي...‏

ولهذا أترك المجال لكم.. للحديث ... عني.‏

دنــيــا
24-05-2005, 03:00 PM
أمنية


كل صباح.. رغم ضعف بنيته وتقدّمه في العمر، يسير بخطى ثقيلة واهنة، على دروب ضيقة ملتوية، شقتها أقدام الناس والحيوانات التي تنطلق إلى المرعى. ويتسلّق الرابية المطلة على البلدة الصغيرة، حتى يصل إلى المعبد القائم على ذروتها.‏

سار على الطريق متعباً متثاقلاً، فقد أرهقت جسده النحيل أعباء الحياة وتعاقب السنين.‏

تلفت يميناً ويساراً.. توقف مرّات عديدة ونظر إلى الوراء آملاً أن يمر به من يرق لحاله ويرأف بشيخوخته فيحمله معه.‏

بعد طول انتظار لاح في الأفق خيال على ظهر فرسه، استبشر خيراً ووقف بانتظاره، لعلّه يترفق به ويمد له يد العون ويخفف عنه عبئاً بات يعجز عن حمله.‏

عندما اقترب الرجل ترجّل عن فرسه، فقد فاجأها المخاض في هذه اللحظة وهذا المكان.‏

قال الراهب وقد خاب أمله: أمنية لم تتحقق ورجاء لم يثمر.‏

وأضاف مواسياً نفسه: لا يهم.. أنا أمشي هذا الطريق كل يوم.‏

وقبل أن يتابع طريقه صرخ به الرجل:‏

-إلى أين؟ قف. انتظر.‏

تجمّد في مكانه والتفت إليه..‏

كان هذا الرجل هو الوالي التركي، بثيابه الرسمية الفضفاضة وحذائه الجلدي الذي يصل إلى ركبتيه، وسوطه الذي يفرقع في الهواء، وينشر الخوف في أوصال البشر.‏

أُسقط في يد الراهب، وألحّ في ذهنه سؤال: ماذا يريد الوالي مني؟‏

وعندما قامت الفرس بعد ولادتها، التفت إليه الوالي وقال له بلهجة آمرة، مشيراً إلى المهر الذي يحاول الوقوف على قوائمه والسير بخطى واهنة متعثرة:‏

(ولن قندلفت.. شيل فلو) أيها الراهب احمل المهر.‏

دنــيــا
24-05-2005, 03:04 PM
نسيان


مشكلته الكبرى هي النسيان.. هذا الداء الذي أصيب به منذ أن اعتلى الكرسي الدوّار، وصار في مكتبه الجديد جهاز تكييف، وتلفزيون ملون. وعلى بابه حاجب لا يسمح لأحد بالدخول إلا بموعد مسبق.‏

ينسى الوعود التي قطعها للأصدقاء القدامى، وينسى رفاق الطفولة، وأبناء العمومة والجيران، وزملاء الدراسة، وينسى المواعيد التي يحددها لمقابلة ذوي الحاجة وبسطاء الناس.. وينسى تلبية دعوات المحاضرات والأمسيات الأدبية.. وإذا ما سمع كلمة عتب لطيفة، ينفخ صدره ويكرر قائلاً:‏

-وقتي ليس ملكي.. مهماتي صعبة، وأعبائي كبيرة. لا أنام من الليل سوى ساعة أو ساعتين.‏

ويشير بيده إلى عينيه الناعستين المحمرتين، ويضيف: هذا من طول السهر.‏

وحقيقة الأمر أنه يسهر كثيراً.. ولا ينام قبل طلوع الفجر أما أين يسهر وكيف، ومع من، فهذا لا يجوز السؤال عنه.‏

وهو يتباهى بنسيانه.. فقد قرأ مرّة أن الرجال العظام ينسون الأمور الصغيرة لانشغالهم بما هو أهم وأعظم.. لذلك كان ينسى أو يتناسى قاصداً، فهذه أصول اللعبة التي تناسب منصبه الجديد.‏

ذات يوم.. زاره صديق قديم، باعدت بينهما الأيام، فقد اختار كل منهما طريقه.. تردد مرات عديدة قبل أن يقف على بابه. تذكر ما قاله له يوماً.. أنت خيالي، مثالي أكثر مما يجب، التنظير شيء والممارسة شيء آخر.. سوف تحتاجني وتطرق بابي يوماً ما.‏

عرض عليه قضيته.. فدوّن بعض الملاحظات، وقال له:‏

-مع ذلك.. لا تنسَ أن تذكّرني.‏

وقبل أن يخرج الصديق من مكتبه، قال:‏

-بهذه المناسبة، واحتفاء بمنصبكم الجديد.. أنت مدعو عندي في البيت.. حدد الموعد متى أردت.‏

قلّب أوراق دفتر المواعيد، وقال:‏

-أقبل الدعوة.. ولكن ليس قبل عشرة أيام.‏

-دونها لئلا تنسى.‏

-لا.. لن أنسى.‏

في اليوم العاشر، كان يدق الباب، ويقول له مبتسماً:‏

-جئت في الموعد. لم أنس..‏

وعلى المائدة العامرة بأصناف الطعام والشراب، سأل الصديق ضيفه بتردد وخجل:‏

-ماذا صار بقضيتي؟‏

فغر فمه وسأل: أية قضية؟!‏

-التي قصدتك من أجلها.. ألا تذكر؟!‏

ضرب بيده على جبينه وقال:‏

- يا عزيزي أنا آسف. لقد نسيتها تماماً.. لماذا لم تذكرني بها؟!‏

-ذكّرتك بها مراراً.. كل يوم.‏

-عجيب.. حتى هذه نسيتها. ألم أقل لك إنني صرت أنسى؟!‏

دنــيــا
24-05-2005, 03:17 PM
رؤيا


بعد تردد طويل، كان يقف أمام بيته، ويدق بابه دقاتٍ خفيفة وجلة.‏

مرّت الثواني بطيئة ثـقيلة، قبل أن ينشق الباب عن رجل سمع عنه قصصاً وحكايا غريبة. ولما كان لا يريد لأحد أن يراه في موقف كهذا.. أخفى جانباً من وجهه بجريدة يحملها في يده.‏

راودته الفكرة منذ شهور، بل منذ سنين. إلا أنه كان يبعدها عن تفكيره، ساخراً منها وممن يعتقد بها. ولما بلغت قضيته حد الأزمة، وتطورت إلى مأساة أنهكت بدنه ونفسه اتخذ قراره وعزم على تنفيذه.‏

صاحب الدار، بثيابه الغريبة الفضفاضة، ولحيته البيضاء، ومسبحته الطويلة.. استنكر زيارته، وساوره الشك منها، لأن زّواره عادةً من عامة الناس.. من البسطاء والساذجين والنساء، ولهذا تردد قبل أن يدعوه للدخول.‏

وبلمح البصر، صار في باحة الدار.‏

دخلا غرفة متواضعة، لم تدخل الشمس إليها أبداً، ولم يتسرب إليها إلا نور ضعيف من نافذة صغيرة ضيقة في أعلى الجدار.‏

مفروشة ببساط قديم ووسائد رثّة.. ألوانها كالحة ورائحتها مزيج من العفونة والعرق البشري.. نفذت إلى أنفه، فشعر بالقرف والغثيان.‏

سأله بعد أن جلس أمامه: ما حاجتك؟‏

أجاب متردداً: هي رؤيا.. أقصها عليك، أريد لها تفسيراً.‏

قال بآلية: نسمعها. هات. تفضل.‏

وعلى طقطقات حبات المسبحة، قال:‏

-أرى نفسي أمام قصر كبير، خزائنه مليئة بالذهب والحلي والجواهر.. موائده عامرة بأصناف الطعام والشراب. على بابه حرّاس أشدّاء.. يرفعون سيوفهم وحرابهم في وجه من يحاول الاقتراب.. يطول انتظاري قبل أن يطل صاحب القصر ويلقي إلي بالفتات.. أحمله وأهرع إلى بيتي، لأطعم الزوجة والأولاد وإن كان لا يسد رمقهم ولا يشبع جوعهم.. لكن وحوش الأرض تطاردني فأهرب منها بعد أن تنتزع نصفه.. ثم أجد نفسي في بحر تتلاطم أمواجه.. تحاصرني الحيتان وأسماك القرش.. تخطف النصف الثاني ثم أغوص.. أغوص إلى الأعماق. أصرخ فلا يسمع صراخي أحد، أستغيث ولا من مجيب... أختنق، قبل أن أصحو من حلمي مذعوراً. لم تظهر علامات الدهشة على وجه الرجل، بل ابتسم وقال:‏

-هذه الرؤيا تتكرر دائماً.‏

-نعم..‏

-متى؟‏

-كل شهر.. أقصد.. في نهاية كل شهر.‏

-هل أنت متأكد من أنها رؤيا؟‏

-نعم.. كل التأكُّد-‏

صمت الرجل العجوز، ثم قال والابتسامة ما زالت على وجهه:‏

-يا صاحبي، ماذا أقول لك.؟! هذه ليست رؤيا. فابحث عن تفسيرها عند غيري.‏

سد نجران
24-05-2005, 07:02 PM
شكرا على المشاركه الرائعه
والتي تحمل بين سطورها مزيج من الجد والنصائح والعبر واجدني لا اصفها الا بالسهل الممتنع ونحن في انتظار الجديد واالرئع من اناملك المخمليه

دنــيــا
28-05-2005, 02:07 PM
سد نجران

الرائع عزيزي هو وجودك بين هذه الروايات الجميله ..

والتي تحمل في طياتها الكثير والكثير من الجديه بالرغم من

لغه السخريه التي كُتبت بها ......

صدى الوجدان
28-05-2005, 04:59 PM
عزيزتي دنيا

سلام الله

اشكرك لما تبعثيه فاني ارى فيه رقه متناهيه ولمسة شفافه

كل هذا وعمق المعنى الرائع يدل على حس مرهف

عسى الله ان يوفقك لكل ما هو جميل ومفيد

بانتظار كتاباتك

تحيات

صدى الوجدان

دنــيــا
28-05-2005, 09:43 PM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

صدى الوجدان

اتمنى عزيزتي ان تكوني قد استمتعتي ..

بهذه الروايات الساخره الجميله ...

واشكركِ عزيزتي على حضورك الرائع ..

Fantasy
28-05-2005, 10:01 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


بعد أن اعتلى منبر الخطابة، واحتكر لاقط الصوت ساعة من الزمن، تحدث فيها عن نفسه، وأسهب عن تضحياته، وعن ضميره الواعي... عن إخلاصه وأمانته ووفائه. وبعد أن عدّد مزاياه وخدماته وقدراته. اعتذر من الحاضرين بلطف، وقال:‏

- لقد تكلمت عن نفسي. وإذا كنتُ قد أطلت فهذا أمر له مايبرره...‏

ثم أضاف مبتسماً:‏

- ولأنني ديمقراطي، لن أنفرد بالحديث عن نفسي...‏

ولهذا أترك المجال لكم.. للحديث ... عني.‏

ههههههههههههه

هههههههههههههههههههه

ههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه

هههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه هههه

بسههههههههههه خلاصههههههههههه مو قادرة هههههههههههههههههههههههه

هذه الديمقراطيهههههههههههههههه تذكرنيهههههههههههههههههههههه بديمقراطيةههههههههههههههههههههههه موجودةهههههههههههههههههههههه فيههههههههههههههههههه ارض ما لا اعرفها:zip:

تسلمينههههههههههههه

دنــيــا
28-05-2005, 10:09 PM
شفتي شلون رجل ديمقراطي وطريقة كلامه دبلوماسيه

ومايحب يتكلم عن نفسه ....... مو زي بعض الناس اللي صورهم

ماليه الشوارع خخخخخخخخخخخخخخ


جعلها دوم هل الضحكه ياقمر

مهند صلاحات
30-11-2005, 07:33 PM
دينا
حقيقة مررت اكثر من مرة على النصوص
كنت كعادتي سأمر عليها دون أن أقول شيئا
كنها حقا أستوقفتني كثيرا
لأقول
بالفعل رائعة
سلمت يمناك واقلب الجريئ الذي كتب

محمد اليامي
18-12-2005, 02:04 PM
أن تأتي متأخراً خيراً من ألا تأتي أبداً.

لقد مررت على الموضوع وقرأته عدة مرات، أسلوب أقل ما يقال عنه أنه رائع ومعالجة للكثير من القضايا بأسلوب ساخر ساحر.

شكراً لك دنيا
وفي انتظار المزيد من إبداعاتك.
هذا فقط ما أحببت قوله.

محمد اليامي

روز
19-12-2005, 01:22 AM
دنيا العزيزه تحيه معطره بكل الحب والشكر لك على هذه الحكايات التي لا استطيع ان اقول الا انها
رائعه رائعه رائعه
بكل ما تحمله معنى الكلمه وسلمت يداك وبانتظار المزيد فلا تتاخري علينا

الف شكر وتحياااااااااااااااااااااااتي لك:rose: :rose :rose: