كاتم الأحزان
18-03-2005, 07:36 PM
أخلاقيات الصيدلة
الصيدلة وأخلاقيات الصيدلاني وسوء استخدام الأدوية
الصَّيْدَلَةُ ( Pharmacy ) هي علم الأدوية ، وهي مهنة صحية تهتم بتحضير وتركيب وتجزئة وحيازة الأدوية والعقاقير والمواد التي تستعمل لعلاج الأمراض أو الوقاية منها ، وتتطلب الصيدلة معرفة وافية بتشخيص الأدوية ( Pharmacognosy ) ومعرفة تأثيراتها العلاجية ، وطرق خلطها وحفظها ومراقبتها وتحليلها ومعايرتها . وعلم الأدوية ( Pharmacology ) هو العلم الذي يبحث في خصائص الأدوية ومصادرها ، وكيفية امتصاصها وتأثيرها ، ومصيرها في الجسم ، واستعمالاتها الطبية ، ومقاديرها الدوائية ، وتأثيراتها الضارة ، وما يتعارض بعضها مع بعض ( Interaction ) .
وقد أطلق العلماء المسلمون قديماً على علم الصيدلة اسم : الأقرباذين ( Pharmacopoeia ) وكان الصيدلاني العربي يدعى الصَّنْدلانيّ ( Sandalani ) نسبة إلى خشب الصَّندل الذي كان كثير الاستعمال من قبل الصيادلة آنذاك ، ثمَّ تطوَّرت الكلمة إلى الصيدلاني .
وقد كان للمسلمين إسهامات قيِّمة في علم الصيدلة : فهم أول من فَصَلَ الصيدلة عن الطبّ ، وهم أول من أنشأ صيدلية في التاريخ ، وذلك ببغداد في القرن السابع الميلادي في عهد الخليفة العباسي ( المنصور ) وهم الذين أصدروا أول جدول صيدلاني ( Pharmaceutical Formulary ) وقد استخدم هذا الجدول فيما بعد مرجعاً ونموذجاً لإصدار أول دستور أدوية بريطاني ( B. P. ) في العام 1864 .
والمسلمون أول من أسس الصيدليات لبيع الأدوية وذلك في العصر العباسي أيضاً ، بينما أول صيدلية أسست في أوروبا عام 1225 في مدينة كولون الألمانية ! والمسلمون أيضاً هم أول من وضع الكتب المتخصصة بالصيدلة ، وكانوا يطلقون عليها اسم : الأقرباذينات ، ونذكر منها :
* الدستور البيمارستاني : للطبيب ابن أبي البيان ( 1161 ـ 1240م ) الذي تضمن وصف 607 من العقاقير والمواد المساعدة .
* الكتاب الجامع في المعاجين : للطبيب الأندلسي ابن زهر ( 1091 ـ 1161م ) ، وهو يضم وصفات طبية مشروحة بشكل نظري وعملي ، ويحتوي على 230 دواءً .
* شرح أسماء العقار : للطبيب الأندلسي ابن ميمون ( 1135 ـ 1204م ) وهو مؤلف بشكل معجم هجائي لمترادفات العقاقير الطبية .
* كتاب الجابي في مفردات الأدوية والأغذية للطبيب ابن البيطار ( 1197 ـ 1248م ) وهو الأكثر شهرة في الأقرباذين ، ويضم عدداً هائلاً من الخلاصات ، وفيه وصف مفصل لأكثر من ( 1400عقار ) منها ثلاثمائة لم يسبقه أحد إلى وصفها ، وقد ترجم هذا الكتاب إلى اللاتينية ، وظل مرجعاً أساسياً في الطب والصيدلة حتى عصر النهضة الأوروبية الحديثة .
أخلاقيات الصيدلاني
يتعامل الصيدلاني عادة مع المراجعين من خلال الوصفة الطبية التي تعد صلة الوصل ما بين الطبيب والمريض من جهة وبين الصيدلاني من جهة أخرى ، وهذه العلاقة تحكمها عدة ضوابط أخلاقية ومهنية نوجزها فيما يلي :
1 ) لا يجوز للصيدلانيِّ أن يصرف دواءً للمريض إلا بموجب وصفة طبية صادرة من طبيب مرخَّص له بمزاولة المهنة أو من هو في حكم الطبيب من المؤهلين علمياً لوصف العلاج ، إلا في حال الضرورة التي تتطلب تدخلاً عاجلاً من الصيدلاني ولا يوجد طبيب ، فعندئذٍ يجوز للصيدلانيِّ تقديم الإسعاف الأولي اللازم للمريض ـ بما لديه من معلومات طبية ـ ريثما يصل الطبيب أو ريثما يُنقل المريض لأقرب مركز طبي .. علماً بأنَّ بعض القوانين الطبية تتساهل بصرف الصيدلانيّ لبعض الأدوية البسيطة المأمونة ( Simple & Safe ) مثل معظم خافضات الحرارة والمسكنات الخفيفة والمطهِّرات والمليِّنات البسيطة ونحوها .
2 ) لا يتحمَّل الصيدلانيُّ المسؤوليةَ إذا ما أعطى الدواءَ مطابقاً لما جاء في الوصفة الطبية الصادرة من طبيب مرخَّص له بمزاولة المهنة ، أما إذا صَرَفَ الصيدلاني الدواء دون وصفة طبية ، أو أخطأ في صرف الدواء فأعطى دواء غيره ، أو بدَّل في الجرعات الموصوفة من قبل الطبيب ، ونتج عن تعاطي المريض لهذا الدواء أضرار فإن الصيدلانيَّ يتحمَّل المسؤوليةَ عن فعله ، وهذا لا يعني أن يصرف الصيدلانيُّ الدواءَ لمجرد أن هناك وصفة طبية ، فإنَّ الصيدلانيَّ ليس تاجر أدوية ! بل هو صاحب اختصاص وله نظر في الأدوية ، ولهذا يجب عليه إذا ما رأى خطأً في الوصفة ، أو تعارضاً بين الأدوية المدونة فيها ، أو تناقضاً بين الدواء والتشخيص المدون في الوصفة ، أن يُراجع الطبيبَ قبل صرف الوصفة حرصاً على صحة المريض ، ويحسن به أن يفعل ذلك بهدوء ، بينه وبين الطبيب ، دون تشهير بالطبيب أمام المريض ، ودون استغلال للحادثة ضدَّ الطبيب ، وهذه من الأخلاق الحسنة التي ينبغي أن تسود بين الزملاء .
3 ) إذا رأى الصيدلاني ضرورةً لتبديل بعض الأدوية الواردة في الوصفة ، أو رأى ضرورة لتعديل جرعاتها ، أو كان له ملاحظات على ما جاء في الوصفة وجب عليه الرجوعُ إلى الطبيب المعالِج لمشاورته بالأمر ، لأنَّ علاج المريض أصلاً من مسؤولية الطبيب المعالِج ، ولأن الوصفةَ الطبيةَ جزءٌ من العَقْدِ بين المريض والطبيب ، فإذا أصرَّ الطبيبُ على ما جاء في وصفته فإنَّ من حقِّ الصيدلانيِّ أن يمتنع عن صرفها(9) إذا لم يقتنع برأي الطبيب وظهر له أنَّ الوصفة تخالف القواعد العلمية المعروفة أو فيها خطأ يضرُّ بالمريض .
4 ) لا يجوز للصيدلانيِّ أن يكرِّر صَرْفَ العلاجِ الذي في الوصفة الطبية دون الرجوع إلى الطبيب المعالِج لأنَّ الطبيب أعلم بحالة المريض ، ولو أنَّ الطبيبَ كان يرى تكرار صرف العلاج لكان عليه بيان ذلك في الوصفة التي يجب أن يحدد فيها مقدار الجرعة وفترات تعاطيها ومدة الاستمرار في العلاج ، وإذا ما كرر الصيدلاني صرفَ العلاج دون مراجعة الطبيب المعالج ونتجت عن ذلك أضرارٌ للمريض فإن الصيدلاني يتحمل مسؤولية هذه الأضرار .
5) يجدر بالصيدلانيِّ أن يكون ناصحاً لزبائنه ، فلا يجوز له مثلاً أن يصرف الدواءَ الذي يُدِرُّ عليه ربحاً أكبر مقابل الدواء الأرخص الموصوف من قبل الطبيب المعالج ، حتى وإن كان تركيب الدواءين واحداً .
6) يجب على الصيدلانيِّ تعريف المريض بطريقة تعاطي الدواء ، وأن يكتب على كلِّ عبوة مقدار الجرعات وتوقيتها لتجنب وقوع المريض بالخطأ في تعاطي الدواء ، وعليه أيضاً أن يعلِّم المريضَ كيفيَّةَ حلِّ الأدوية التي تحتاج للحلِّ بالماء ، وكيفية حفظ الأدوية في درجة الحرارة المناسبة أو بعيداً عن النور للمحافظة على فعاليتها ، وغير ذلك من التعليمات التي تساعد المريضَ على تعاطي الدواء بصورة صحيحة مأمونة .
7) يجب على الصيدلانيِّ المحافظة على أسرار المرضى الذين يصرف لهم الأدوية ، فلا يجوز له اطلاعُ أحدٍ على الوصفات التي تسلَّم إليه ممن لا يحقُّ لهم الاطلاع عليها ، ولا يجوز له إفشاء ما فيها من معلومات تخصُّ المريض لأنها من الأسرار الطبية التي لا يجوز إفشاؤها إلا في حالات خاصة ، وللجهات الرسمية المخولة بذلك .
8) يجب أن يتأكد الصيدلاني بأن الأدوية والمستحضرات المختلفة التي يبيعها مطابقة للمواصفات المقرَّرة في الدساتير الصيدلانية(10) ، وعليه أن يتحقَّق من تاريخ انتهاء صلاحية كلِّ دواء قبل أن يبيعه ، ولا يجوز له أن يبيع الأدوية التي انتهت فترة صلاحيتها لأنَّ هذا من الغشِّ المنهيِّ عنه شرعاً ، وعليه أن يراعي شروط حفظ الأدوية في المكان المناسب ، ودرجة الحرارة المناسبة ، حتى لا تفسد أو تفقد مفعولها الدوائيِّ ، وبما أنَّ معظم الأدوية لا تظهر عليها علاماتُ الفسادِ أو فقدان المفعول ، فإنَّه لا يجوز أن يبيع الأدوية التي يعتقد أنها فسدت أو فقدت مفعولها حتى وإن كان تاريخُ صلاحيتها سارياً ، وعليه أن يتخلَّص منها وفق الأساليب العلمية المتبعة في التخلص من الأدوية .
9) على الصيدلانيِّ أن يتَقَيَّدَ بالضَّوابط الشَّرعيَّة التي تتعلق بتداول الأدوية التي يَحْرُمُ تعاطيها دون ضرورة شرعية ، كالأدوية المخدِّرة وما في حكمها ، بسبب ما لهذه الأدوية من أضرار فادحة على صحة الفرد والمجتمع إذا ما أخِذَتْ بغير إشرافٍ طبيٍّ ، فلا يجوز له أن يصرف هذه الأدوية إلا بموجب وصفة طبية معتمدة من الطبيب المعالج ، وإذا ما شعر الصيدلانيُّ أنَّ بعض الأطباء يتهاونون بوصف هذه الأدوية الخطرة وجب عليه أن ينصحهم أولاً ، فإذا لم يستجيبوا لنصيحته وكان في وصف تلك الأدوية ضرر محقق وَجَبَ عليه أن يبلغ الجهات المسؤولة ، وهذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يؤجر عليه .
سوء استعمال الأدوية ( Drug Abuse )
ليس من النادر أن يُساء استعمال الأدوية من قبل بعض الأشخاص ، وهذه الإساءة لها عدة صور نوجزها فيما يلي :
1. تناول الدواء عن خطأ : كما يحصل غالباً من قبل الأطفال الذين يلتهمون كلَّ ما تصل إليه أيديهم من دواء أو غيره ، وكذلك المعتوهين والمتخلِّفين عقليَّاً والمجانين ، فهؤلاء يحتاجون إلى رعاية جيدة لحمايتهم من أخطار سوء استعمال الأدوية ، وأن تحفظ الأدوية بعيداً عنهم في خزانات محكمة الغلق ، بحيث لا تصل إليها أيديهم !
2. تناول الدواء عن جهل : كما يحصل من قبل بعض الأشخاص الذين يتناولون الأدوية دون استشارة الطبيب ، إما امتثالاً لنصيحة أحد الأصحاب الذين انتفعوا بذلك الدواء ، وإما لاعتقادهم بأن الدواء مهما كان نوعه فإنه يفيد من يتناوله ، وما شابه ذلك من التصرفات التي ترجع إلى الجهل باستطبابات الأدوية وكيفية تعاطيها !
3. تناول الدواء بهدف الانتحار : كما يفعل بعض الأشخاص الذين يتناولون جرعات كبيرة من الحبوب المنومة أو نحوها من الأدوية التي يكثر استخدامها عادةً لهذا الغرض المحرَّم !
4. تناول الدواء للمُتْعَة : وبخاصة منها الأدوية المخدِّرة ( Narcotics ) والمنشِّطات ( Activators ) والمنوِّمات ( Hypnotics ) والمهدِّئات ( Tranquilizers ) والمُهَلْوِسَات ( Halocinogens ) وغيرها من العقاقير ، بهدف استجلاب بعض الأحاسيس المرغوبة كالاسترخاء أو الخَدَر أو النَّشْوة ! وربما كانت هذه الصورة هي أسوأ صور سوء استعمال الأدوية ، لأنها تنتهي بصاحبها إلى الإدمان وما ينطوي عليه من أضرار نفسية وبدنية فادحة ناهيك عن النتائج الاجتماعية السلبية التي تنشأ عن الإدمان !
5. الإسراف في تناول الدواء : مثل تجاوز الجرعة المقرَّرة من قِبَل الطبيب ظنَّاً من المريض بأنَّ زيادة الجرعة تزيد مفعول الدواء أو تعجِّل بالشِّفاء ، أو كما يفعل بعضهم بأن يستمر في تناول الدواء الذي وصفه الطبيبُ لهم لفترات أطول مما أوصى به الطبيبُ !
ولا ريب في أن وضع ضوابط طبية محدَّدة لبيع الأدوية وتداولها في المجتمع يقلِّل كثيراً من سوء استعمال الأدوية ، مثل سن تشريعاتٍ بعدم صرف الأدوية إجمالاً إلا بموجب وصفة طبية صادرة عن طبيب مرخَّص له بمزاولة المهنة ، وعدم تكرار صرف الوصفة من قِبَل الصيدلاني إلا بناء على توصيات الطبيب المعالج ، ونحو ذلك من التشريعات التي تنظِّم صرف الدواء .
ولا ريب في أن للطبيب والصيدلاني دوراً أساسياً في توعية المجتمع بأضرار الأدوية وتأثيراتها الجانبية ، وتحذيرهم من سوء استعمالها وما يسببه من أضرار نفسية وبدنية واجتماعية .
كما أن على الطبيب أن يكون حذراً من وصف الدواء دون مبرِّر طبيٍّ واضح ، كأن يصرف الدواءَ مثلاً بناءً رغبة المريض فقط دون قناعة علمية بضرورة هذا الدواء ، وتقع على الصيدلاني أيضاً مسؤولية كبيرة في الحدِّ من ظاهرة سوء استعمال الأدوية ، فعليه مثلاً ألا يصرف الدواءَ إلا بموجب وصفة طبية صادرة عن طبيب مرخَّص له بمزاولة المهنة ، إلا الأدوية البسيطة المأمونة التي لا يُساء استعمالها غالباً والتي تسمح القوانين الطبية بتداولها دون وصفة طبية وإذا ما أحسَّ الصيدلانيُّ بأنَّ الذي يطلب الدواء يسيء استعماله ، كأنْ يتكرر منه طلبُ الدواء نفسه مرات عديدة وعلى فترات متقاربة أو كان الدواء نفسه من النوع الذي يُساء استعماله عادةً مثل بعض المسكنات وأشربة السعال والأدوية المضادَّة للحساسية التي لها آثار منوِّمة أو مخدرة بعض الشيء ، فعلى الصيدلاني أن ينصح المريض بالتوقُّف عن استعمال الدواء ، ويبين له مخاطره على صحته البدنية والنفسية ، فإذا لم يرتدع عن إساءة استعمال الدواء جازَ للصيدلانيِّ أن يمتنع عن صرف الدواء له !
الدكتور : أحمد كنعان
الصيدلة وأخلاقيات الصيدلاني وسوء استخدام الأدوية
الصَّيْدَلَةُ ( Pharmacy ) هي علم الأدوية ، وهي مهنة صحية تهتم بتحضير وتركيب وتجزئة وحيازة الأدوية والعقاقير والمواد التي تستعمل لعلاج الأمراض أو الوقاية منها ، وتتطلب الصيدلة معرفة وافية بتشخيص الأدوية ( Pharmacognosy ) ومعرفة تأثيراتها العلاجية ، وطرق خلطها وحفظها ومراقبتها وتحليلها ومعايرتها . وعلم الأدوية ( Pharmacology ) هو العلم الذي يبحث في خصائص الأدوية ومصادرها ، وكيفية امتصاصها وتأثيرها ، ومصيرها في الجسم ، واستعمالاتها الطبية ، ومقاديرها الدوائية ، وتأثيراتها الضارة ، وما يتعارض بعضها مع بعض ( Interaction ) .
وقد أطلق العلماء المسلمون قديماً على علم الصيدلة اسم : الأقرباذين ( Pharmacopoeia ) وكان الصيدلاني العربي يدعى الصَّنْدلانيّ ( Sandalani ) نسبة إلى خشب الصَّندل الذي كان كثير الاستعمال من قبل الصيادلة آنذاك ، ثمَّ تطوَّرت الكلمة إلى الصيدلاني .
وقد كان للمسلمين إسهامات قيِّمة في علم الصيدلة : فهم أول من فَصَلَ الصيدلة عن الطبّ ، وهم أول من أنشأ صيدلية في التاريخ ، وذلك ببغداد في القرن السابع الميلادي في عهد الخليفة العباسي ( المنصور ) وهم الذين أصدروا أول جدول صيدلاني ( Pharmaceutical Formulary ) وقد استخدم هذا الجدول فيما بعد مرجعاً ونموذجاً لإصدار أول دستور أدوية بريطاني ( B. P. ) في العام 1864 .
والمسلمون أول من أسس الصيدليات لبيع الأدوية وذلك في العصر العباسي أيضاً ، بينما أول صيدلية أسست في أوروبا عام 1225 في مدينة كولون الألمانية ! والمسلمون أيضاً هم أول من وضع الكتب المتخصصة بالصيدلة ، وكانوا يطلقون عليها اسم : الأقرباذينات ، ونذكر منها :
* الدستور البيمارستاني : للطبيب ابن أبي البيان ( 1161 ـ 1240م ) الذي تضمن وصف 607 من العقاقير والمواد المساعدة .
* الكتاب الجامع في المعاجين : للطبيب الأندلسي ابن زهر ( 1091 ـ 1161م ) ، وهو يضم وصفات طبية مشروحة بشكل نظري وعملي ، ويحتوي على 230 دواءً .
* شرح أسماء العقار : للطبيب الأندلسي ابن ميمون ( 1135 ـ 1204م ) وهو مؤلف بشكل معجم هجائي لمترادفات العقاقير الطبية .
* كتاب الجابي في مفردات الأدوية والأغذية للطبيب ابن البيطار ( 1197 ـ 1248م ) وهو الأكثر شهرة في الأقرباذين ، ويضم عدداً هائلاً من الخلاصات ، وفيه وصف مفصل لأكثر من ( 1400عقار ) منها ثلاثمائة لم يسبقه أحد إلى وصفها ، وقد ترجم هذا الكتاب إلى اللاتينية ، وظل مرجعاً أساسياً في الطب والصيدلة حتى عصر النهضة الأوروبية الحديثة .
أخلاقيات الصيدلاني
يتعامل الصيدلاني عادة مع المراجعين من خلال الوصفة الطبية التي تعد صلة الوصل ما بين الطبيب والمريض من جهة وبين الصيدلاني من جهة أخرى ، وهذه العلاقة تحكمها عدة ضوابط أخلاقية ومهنية نوجزها فيما يلي :
1 ) لا يجوز للصيدلانيِّ أن يصرف دواءً للمريض إلا بموجب وصفة طبية صادرة من طبيب مرخَّص له بمزاولة المهنة أو من هو في حكم الطبيب من المؤهلين علمياً لوصف العلاج ، إلا في حال الضرورة التي تتطلب تدخلاً عاجلاً من الصيدلاني ولا يوجد طبيب ، فعندئذٍ يجوز للصيدلانيِّ تقديم الإسعاف الأولي اللازم للمريض ـ بما لديه من معلومات طبية ـ ريثما يصل الطبيب أو ريثما يُنقل المريض لأقرب مركز طبي .. علماً بأنَّ بعض القوانين الطبية تتساهل بصرف الصيدلانيّ لبعض الأدوية البسيطة المأمونة ( Simple & Safe ) مثل معظم خافضات الحرارة والمسكنات الخفيفة والمطهِّرات والمليِّنات البسيطة ونحوها .
2 ) لا يتحمَّل الصيدلانيُّ المسؤوليةَ إذا ما أعطى الدواءَ مطابقاً لما جاء في الوصفة الطبية الصادرة من طبيب مرخَّص له بمزاولة المهنة ، أما إذا صَرَفَ الصيدلاني الدواء دون وصفة طبية ، أو أخطأ في صرف الدواء فأعطى دواء غيره ، أو بدَّل في الجرعات الموصوفة من قبل الطبيب ، ونتج عن تعاطي المريض لهذا الدواء أضرار فإن الصيدلانيَّ يتحمَّل المسؤوليةَ عن فعله ، وهذا لا يعني أن يصرف الصيدلانيُّ الدواءَ لمجرد أن هناك وصفة طبية ، فإنَّ الصيدلانيَّ ليس تاجر أدوية ! بل هو صاحب اختصاص وله نظر في الأدوية ، ولهذا يجب عليه إذا ما رأى خطأً في الوصفة ، أو تعارضاً بين الأدوية المدونة فيها ، أو تناقضاً بين الدواء والتشخيص المدون في الوصفة ، أن يُراجع الطبيبَ قبل صرف الوصفة حرصاً على صحة المريض ، ويحسن به أن يفعل ذلك بهدوء ، بينه وبين الطبيب ، دون تشهير بالطبيب أمام المريض ، ودون استغلال للحادثة ضدَّ الطبيب ، وهذه من الأخلاق الحسنة التي ينبغي أن تسود بين الزملاء .
3 ) إذا رأى الصيدلاني ضرورةً لتبديل بعض الأدوية الواردة في الوصفة ، أو رأى ضرورة لتعديل جرعاتها ، أو كان له ملاحظات على ما جاء في الوصفة وجب عليه الرجوعُ إلى الطبيب المعالِج لمشاورته بالأمر ، لأنَّ علاج المريض أصلاً من مسؤولية الطبيب المعالِج ، ولأن الوصفةَ الطبيةَ جزءٌ من العَقْدِ بين المريض والطبيب ، فإذا أصرَّ الطبيبُ على ما جاء في وصفته فإنَّ من حقِّ الصيدلانيِّ أن يمتنع عن صرفها(9) إذا لم يقتنع برأي الطبيب وظهر له أنَّ الوصفة تخالف القواعد العلمية المعروفة أو فيها خطأ يضرُّ بالمريض .
4 ) لا يجوز للصيدلانيِّ أن يكرِّر صَرْفَ العلاجِ الذي في الوصفة الطبية دون الرجوع إلى الطبيب المعالِج لأنَّ الطبيب أعلم بحالة المريض ، ولو أنَّ الطبيبَ كان يرى تكرار صرف العلاج لكان عليه بيان ذلك في الوصفة التي يجب أن يحدد فيها مقدار الجرعة وفترات تعاطيها ومدة الاستمرار في العلاج ، وإذا ما كرر الصيدلاني صرفَ العلاج دون مراجعة الطبيب المعالج ونتجت عن ذلك أضرارٌ للمريض فإن الصيدلاني يتحمل مسؤولية هذه الأضرار .
5) يجدر بالصيدلانيِّ أن يكون ناصحاً لزبائنه ، فلا يجوز له مثلاً أن يصرف الدواءَ الذي يُدِرُّ عليه ربحاً أكبر مقابل الدواء الأرخص الموصوف من قبل الطبيب المعالج ، حتى وإن كان تركيب الدواءين واحداً .
6) يجب على الصيدلانيِّ تعريف المريض بطريقة تعاطي الدواء ، وأن يكتب على كلِّ عبوة مقدار الجرعات وتوقيتها لتجنب وقوع المريض بالخطأ في تعاطي الدواء ، وعليه أيضاً أن يعلِّم المريضَ كيفيَّةَ حلِّ الأدوية التي تحتاج للحلِّ بالماء ، وكيفية حفظ الأدوية في درجة الحرارة المناسبة أو بعيداً عن النور للمحافظة على فعاليتها ، وغير ذلك من التعليمات التي تساعد المريضَ على تعاطي الدواء بصورة صحيحة مأمونة .
7) يجب على الصيدلانيِّ المحافظة على أسرار المرضى الذين يصرف لهم الأدوية ، فلا يجوز له اطلاعُ أحدٍ على الوصفات التي تسلَّم إليه ممن لا يحقُّ لهم الاطلاع عليها ، ولا يجوز له إفشاء ما فيها من معلومات تخصُّ المريض لأنها من الأسرار الطبية التي لا يجوز إفشاؤها إلا في حالات خاصة ، وللجهات الرسمية المخولة بذلك .
8) يجب أن يتأكد الصيدلاني بأن الأدوية والمستحضرات المختلفة التي يبيعها مطابقة للمواصفات المقرَّرة في الدساتير الصيدلانية(10) ، وعليه أن يتحقَّق من تاريخ انتهاء صلاحية كلِّ دواء قبل أن يبيعه ، ولا يجوز له أن يبيع الأدوية التي انتهت فترة صلاحيتها لأنَّ هذا من الغشِّ المنهيِّ عنه شرعاً ، وعليه أن يراعي شروط حفظ الأدوية في المكان المناسب ، ودرجة الحرارة المناسبة ، حتى لا تفسد أو تفقد مفعولها الدوائيِّ ، وبما أنَّ معظم الأدوية لا تظهر عليها علاماتُ الفسادِ أو فقدان المفعول ، فإنَّه لا يجوز أن يبيع الأدوية التي يعتقد أنها فسدت أو فقدت مفعولها حتى وإن كان تاريخُ صلاحيتها سارياً ، وعليه أن يتخلَّص منها وفق الأساليب العلمية المتبعة في التخلص من الأدوية .
9) على الصيدلانيِّ أن يتَقَيَّدَ بالضَّوابط الشَّرعيَّة التي تتعلق بتداول الأدوية التي يَحْرُمُ تعاطيها دون ضرورة شرعية ، كالأدوية المخدِّرة وما في حكمها ، بسبب ما لهذه الأدوية من أضرار فادحة على صحة الفرد والمجتمع إذا ما أخِذَتْ بغير إشرافٍ طبيٍّ ، فلا يجوز له أن يصرف هذه الأدوية إلا بموجب وصفة طبية معتمدة من الطبيب المعالج ، وإذا ما شعر الصيدلانيُّ أنَّ بعض الأطباء يتهاونون بوصف هذه الأدوية الخطرة وجب عليه أن ينصحهم أولاً ، فإذا لم يستجيبوا لنصيحته وكان في وصف تلك الأدوية ضرر محقق وَجَبَ عليه أن يبلغ الجهات المسؤولة ، وهذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يؤجر عليه .
سوء استعمال الأدوية ( Drug Abuse )
ليس من النادر أن يُساء استعمال الأدوية من قبل بعض الأشخاص ، وهذه الإساءة لها عدة صور نوجزها فيما يلي :
1. تناول الدواء عن خطأ : كما يحصل غالباً من قبل الأطفال الذين يلتهمون كلَّ ما تصل إليه أيديهم من دواء أو غيره ، وكذلك المعتوهين والمتخلِّفين عقليَّاً والمجانين ، فهؤلاء يحتاجون إلى رعاية جيدة لحمايتهم من أخطار سوء استعمال الأدوية ، وأن تحفظ الأدوية بعيداً عنهم في خزانات محكمة الغلق ، بحيث لا تصل إليها أيديهم !
2. تناول الدواء عن جهل : كما يحصل من قبل بعض الأشخاص الذين يتناولون الأدوية دون استشارة الطبيب ، إما امتثالاً لنصيحة أحد الأصحاب الذين انتفعوا بذلك الدواء ، وإما لاعتقادهم بأن الدواء مهما كان نوعه فإنه يفيد من يتناوله ، وما شابه ذلك من التصرفات التي ترجع إلى الجهل باستطبابات الأدوية وكيفية تعاطيها !
3. تناول الدواء بهدف الانتحار : كما يفعل بعض الأشخاص الذين يتناولون جرعات كبيرة من الحبوب المنومة أو نحوها من الأدوية التي يكثر استخدامها عادةً لهذا الغرض المحرَّم !
4. تناول الدواء للمُتْعَة : وبخاصة منها الأدوية المخدِّرة ( Narcotics ) والمنشِّطات ( Activators ) والمنوِّمات ( Hypnotics ) والمهدِّئات ( Tranquilizers ) والمُهَلْوِسَات ( Halocinogens ) وغيرها من العقاقير ، بهدف استجلاب بعض الأحاسيس المرغوبة كالاسترخاء أو الخَدَر أو النَّشْوة ! وربما كانت هذه الصورة هي أسوأ صور سوء استعمال الأدوية ، لأنها تنتهي بصاحبها إلى الإدمان وما ينطوي عليه من أضرار نفسية وبدنية فادحة ناهيك عن النتائج الاجتماعية السلبية التي تنشأ عن الإدمان !
5. الإسراف في تناول الدواء : مثل تجاوز الجرعة المقرَّرة من قِبَل الطبيب ظنَّاً من المريض بأنَّ زيادة الجرعة تزيد مفعول الدواء أو تعجِّل بالشِّفاء ، أو كما يفعل بعضهم بأن يستمر في تناول الدواء الذي وصفه الطبيبُ لهم لفترات أطول مما أوصى به الطبيبُ !
ولا ريب في أن وضع ضوابط طبية محدَّدة لبيع الأدوية وتداولها في المجتمع يقلِّل كثيراً من سوء استعمال الأدوية ، مثل سن تشريعاتٍ بعدم صرف الأدوية إجمالاً إلا بموجب وصفة طبية صادرة عن طبيب مرخَّص له بمزاولة المهنة ، وعدم تكرار صرف الوصفة من قِبَل الصيدلاني إلا بناء على توصيات الطبيب المعالج ، ونحو ذلك من التشريعات التي تنظِّم صرف الدواء .
ولا ريب في أن للطبيب والصيدلاني دوراً أساسياً في توعية المجتمع بأضرار الأدوية وتأثيراتها الجانبية ، وتحذيرهم من سوء استعمالها وما يسببه من أضرار نفسية وبدنية واجتماعية .
كما أن على الطبيب أن يكون حذراً من وصف الدواء دون مبرِّر طبيٍّ واضح ، كأن يصرف الدواءَ مثلاً بناءً رغبة المريض فقط دون قناعة علمية بضرورة هذا الدواء ، وتقع على الصيدلاني أيضاً مسؤولية كبيرة في الحدِّ من ظاهرة سوء استعمال الأدوية ، فعليه مثلاً ألا يصرف الدواءَ إلا بموجب وصفة طبية صادرة عن طبيب مرخَّص له بمزاولة المهنة ، إلا الأدوية البسيطة المأمونة التي لا يُساء استعمالها غالباً والتي تسمح القوانين الطبية بتداولها دون وصفة طبية وإذا ما أحسَّ الصيدلانيُّ بأنَّ الذي يطلب الدواء يسيء استعماله ، كأنْ يتكرر منه طلبُ الدواء نفسه مرات عديدة وعلى فترات متقاربة أو كان الدواء نفسه من النوع الذي يُساء استعماله عادةً مثل بعض المسكنات وأشربة السعال والأدوية المضادَّة للحساسية التي لها آثار منوِّمة أو مخدرة بعض الشيء ، فعلى الصيدلاني أن ينصح المريض بالتوقُّف عن استعمال الدواء ، ويبين له مخاطره على صحته البدنية والنفسية ، فإذا لم يرتدع عن إساءة استعمال الدواء جازَ للصيدلانيِّ أن يمتنع عن صرف الدواء له !
الدكتور : أحمد كنعان